الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  القوانين العامه للمنتدىالقوانين العامه للمنتدى  التبليغ عن المخالفات التبليغ عن المخالفات  المكتبهالمكتبه  رفع الصوررفع الصور  المشاركات الجديدهالمشاركات الجديده  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 زحف..إدريس خالي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
tweety
عـضـو
عـضـو


150
التقييم 27

مُساهمةموضوع: زحف..إدريس خالي    الخميس 23 سبتمبر 2010 - 11:22



القصة الفائزة بالمركز الاول في مسابقة قصص علي الهواء التي تنشرها مجلة العربي

بالتعاون مع إذاعة بي. بي. سي العربية

زحف..
إدريس خالي «المغرب»



يزحف نحو النافذة.
يستعمل في ذلك كل أطراف جسمه. يتوقف. يأخذ نفسا. ينظر إلى الوراء. إلى ذلك الوراء الذي كلما اقترب منه المرء ابتعد. باب الغرفة مازال مغلقا. يستأنف الزحف. يحط كفيه على بلاط الكولوار ثم كما لو أنه يمتص القوة من باطن الأرض يزحف. يبدو وكأنه يجدف في الأرض. يداه مجدافان ثقيلان. وجسمه؟
كان الجسم جسدا. غازيا. فاتحا.
حين يتقدم العمر بالإنسان يصبح جسمه مثل مركب مهجور.
يجدف. يتأسف على رجله المقطوعة. تلك الرجل اليمنى التي انحفر في بطن قدمها ثقب مخيف. لم يكن ليلين لمشيئة الطبيب لو أن ذلك الثقب لم يتسع. لو أن تلك القدم لم تصبح خطرا على الجسم كله.
كل صباح، كل مساء يزحف نحو الباب. الباب عيناه على الخارج. حين يصل إليه يطيل النظر إلى الرعاة وهم في طريقهم من وإلى المحجة. لا يعرف متى أطلق على تلك القطعة الأرضية الواسعة اسم المحجة. لا بد وأن سلطانا حط بها صحبة حاشيته وجيشه في الزمن الغابر.
ليس السُكَّر دائما حلوا وسهل الذوبان أو الاحتراق.
.. تأخذ مكنسة الدوم بيديها و تتقدم نحو غرفة النوم. هناك دوما رثيلاء وهمية في زوايا السقوف ينبغي التخلص منها. ترفع المكنسة نحو زاوية سقف الغرفة. تكنس. تكنس بإصرار وقوة مشوبة بقلق داخلي لاتخطئه العين. تكنس كما لو أن الرثيلاء غبار لاصق يصعب إزالته.
.. يزحف نحو الباب الذي يطل على الخارج. تتجاوزه دون أن تنبس بكلمة. يصعد السكر إلى عينيها حين تراه هناك. تزبد وترغد لما يبدأ في الزحف نحو باب الدار. تقول لابنتها المدللة إن مجرد وجوده هناك يعيق حركتها. يشوش صفاء ذهنها. يبدو الزاحف الذي كان سقفها الذي به تتغطى من البرد والحر رثيلاء سوداء مقززة.
يزحف بكل ما بقي له من طاقة وجهد في ذلك الجسم المنهوك نحو النافذة.
هناك شيء ما يقع في القرية ولا يعرفه. لقد تكلم الفقيه في البوق قبل أزيد من ساعتين. سمعه. سمع صوتا في البوق. وبحكم أن داره توجد في المدخل الجنوبي للقرية وأن الريح كانت تهب من الجنوب لم يتبين ما كان يحمله الصوت. كانت الساعة تشير إلى الخامسة وخمسين دقيقة صباحا حين انطلق الصوت يثقب هدوء القرية. لسبب ما عميق و غامض ينظر العربي إلى الساعة التي في معصمه كلما ارتفع الصوت فوق الصومعة.البوق جهاز لإخبار الناس. لا بد أن شيئا ما وقع البارحة ليلا في القرية.
يامنة خرجت وأغلقت عليه الباب. يلعنها في نفسه.
يعرف أنها تود لو يرحل. ما عاد لها في جسمه الناقص ما يُشتهى ويُعصر.
حين يُغلَق الباب تنزل غمامة على عينيه.
يجر جسمه الناقص. يزحف. لا خيار أمامه غير الزحف. مازال الممر إلى النافذة طويلا. لن يهدأ له بال إذا لم يصل إلى هناك. لن يمر الوقت إذا لم يفتح النافذة. قبل يومين قال لابن أخيه إنه لا يخاف الموت.
يكره نفسه حين يراها تطيل النظر إلى رجله المقطوعة. اليوم يزحف وقلبه يرتعد.
حين تفقد إحدى رجليك لن يتحملك الآخرون، يقول جازما لابن أخيه. ثم يردد بصوت خافت:
كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ
- احذر أن يصيبك السكر يا محمد. السكر يقتل المحرك يا بن أخي.
لا يرد محمد. يقدم له النفحة التي طلبها منه وينصرف لأشجاره ودجاجه.
- ماذا ستفعل بك امرأة إذا مات المحرك الذي وهبك إياه الله؟
خرجت ونسيته. أغلقت الباب وقالت للطريق المؤدي إلى السوق هيت لك.
يزحف.ليت المرض الزاحف نحو كل جسمه يتوقف.
بينه وبين النافذة سرير خشبي. يزحف ويفكر في الباب والسرير والنافذة. الباب مغلق و السرير قنطرته الوحيدة للوصول إلى النافذة. السرير قنطرته وربوته.
يزحف.
يتوقف.
ينظر خلفه.
لايزال الباب مغلقا. يود لو أن محمدا يجيء على غير عادته ويفتح له الباب.
يحس بالاختناق. يتذكر أخاه. كان اسمه علي. كان الناس ينادونه بعليلو. والحرفيون بالمعلم علي. يتذكر أخاه الذي يرقد الآن تحت شجرة بطم ظليلة. كان الأخ ملاذه وعصاه.
وكانت أمهما قد سكنت تحت نفس شجرة الخروب قبل سبعين عاما. قيل إنها كانت في طريقها إلى البيادر حينما تقدم منها الموت وطلب منها أن تصاحبه في رحلة طويلة. وبكل الاحترام الذي يبديه السيد الموت نحو النساء اللواتي قضين حياتهن في الكد و إسعاد أزواجهن وأولادهن منحها القدرة على العودة إلى الدار. هناك أسرت لابنها رغبتها في أن تدفن قرب الشجرة. وكانت جذور الشجرة في الوادي.. وغادرت الأم الدار الأولى نحو الدار الآخرة. وكان العربي مازال حليب أمه بين أسنانه. وقال الأخ الأكبر لأخيه لاتخف.. واشتغل عند الفرنسيس من أجل أن يطعم نفسه وأخاه. وكان بين الفرنسيس رجل اسمه مونيس. ورق قلب مونيس لعليلو وقال له:
- أخوك سيدخل إلى المدرسة.
وتعلم العربي لغة الفرنسيس. وبرع فيها. وكانت يامنة تعشقه حين يتكلم مع مونيس. وجربت أن تتحدث بها ولكنها لم تستطع. فقد كان أبوها الساكن بجنب الضريح يقول لها إن لغة أهل الجنة ستكون العربية.
يزحف بكل ما يوجد من قوة وجهد في يديه وفي جسمه.
يزحف ويردد:
الله يسامح.
يسامح أخاه الذي اختارها له. لم يكن يرتاح للذين يسكنون بالقرب من الأضرحة. وكان أبوها من أولئك الذين يعيشون في كنف ضريح سيدي أحمد الراحة.
يزحف.
يريد أن يرتاح.
جسمه يتعبه.
المتعفنة أغلقت علي الباب ولم تعد بعد.
اللعينة خرجت و نسيتني هنا مثل كلب أجرب.
كان السرير كقنطرة ممددة أمامه. جر وسادة من الحلفاء كانت بالقرب من السرير. اعتلاها. وضع منكبه الأيمن على حافة السرير. ضغط بكل قواه التي بقيت في جسمه. كان الجسم ثقيلا ككيس صلصال. وأحس برافعة داخلية تساعده على رفع جسمه الثقيل على السرير. وكان السرير ربوته الجميلة. وكانت القنطرة و الربوة شيئا واحدا.وفتح النافذة. كانت واسعة بما يكفي للنظر إلى القرية. تنفس بعمق. كان في تنفسه يبدو كما لو أنه يريد أن يسحب كل الهواء الموجود في فضاء القرية إلى جسمه. وأطل من النافذة الواسعة.
كان الرجال يمرون خاشعين. مطأطئي الرءوس, كانوا يسيرون وراء النعش. و كان الصمت كموسى حادة تقطع المكان. وكانت السماء وحيدة و قلقة وبدا أن العصافير قد توقفت عن الطيران والزقزقة حتى يمر النعش والرجال في طريقهم إلى المقبرة. نظر العربي وراءه. كانت الصور تتزاحم أمام عينيه. وكان الباب لا يزال مغلقا. صمت. صمت. وكانت القرية التي أهدته هواءها وثمار أشجارها تبدو بدورها وكأنها تستمع لذلك الصمت المحمل بالحنين وبالحزن. وكان الرجال يتقدمون وراء النعش بينما القرية تستمع لصوت الرجال وهم يرددون بشكل حزين:
لا إله إلا الله
محمد رسول الله.
لا إله إلا الله
محمد رسول الله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
إياك نعبد
عـضـو
عـضـو


784
التقييم 20

مُساهمةموضوع: رد: زحف..إدريس خالي    الأحد 26 سبتمبر 2010 - 16:10



جميلة


و مؤلمة

وتستحق المركز الأول

جزيل الشكر اليك
وننتظر جديدك




.
" وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ "

.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
زحف..إدريس خالي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شارك :: المُــلتقى الثقافى ::   :: اللغة و الأدب :: القصه والروايه-
انتقل الى: